عند الحديث عن العقل كنشاط ذهني,يزاوله الفرد,يلزم الأمر ان يأخد في الاعتبار الاطار الاجتماعي,ومافيه من عناصر ومكونات او بالاحرى ثقافة وحضارة, وما يمكن ان تسهم به هذه الحضارة,او الثقافة في عملية صياغة و تكوين, عقول افراد المجتمع وفق صيغة تكاد واحدة لجميع الافراد ولا سيما في القواعد والمبادئ والاسس التي يتم وفقها نشاط العقل, وتعامله مع ما يحيط به من التغيرات ومثيرات.
ان الاهمية التي يوليها بعض الباحثين للثقافة الاجتماعية, ودورها في صياغتها,او الفكر العام تصل الى حد استخدام مصطلح البرمجة العقلية مستعيرين هذا المصطلح من مفردات الحاسب الالي, وبرامجه المتعددة.
ان مصادر ومنابع البرمجة العقلية ترجع الى البيئة الاجتماعية التي ينمو فيها الفرد ومنها يتلقى ويكون خبراته وتجاربه. ان عملية البرمجة العقلية,تبدأ من المنزل وتشمل الشارع, الحي, المدرسة, الاقران, مكان العمل, ثم المحيط الاجتماعي بصورته الشاملة او العامة بما فيها من وسائل اعلام ومراكز ثقافية,واجتماعية كالمساجد والنوادي, والمسارح, والجمعيات وغيرها...
وعليه يمكن القول : إن الثقافة المختلفة, تمثل برامج عقلية مختلفة في العمق والسطحية, وذلك لما تتمتع به كل ثقافة من عناصر غنية او فقيرة. وما من شك في أن غنى وفقر هذه العناصر الثقافية سينعكس على الطريقة التي يفكر بها الافراد وكذا التي يعبرون بها عن مشاعرهم بالاضافة الى كيف يسلكون, ويتصرفون في موافق الخوف, الغضب, الحب, الفرح,الحزن,إقامة العلاقات مع الاخرين ومن ثم التعبير عن الذات بشكل عام.
هل يكفي ان نقول : إن الثقافة او الحضارة لاي مجنمع, تعمل على صياغة العقل وبنائه؟ ام ان الامر يستلزم معرفة معطيات الحضارة التي لها نصيب الاسد في هذه العملية. لاشك أن بعض العناصر الثقافية لها دور مهم وبارز اذا ما قورن بدور العناصر الاخرى, كما ان العناصر الثقافية منها ماقد يكون واضحا ومباشرا, ومنها ماقد يكون رمزيا.
الا ان الواضح والرمزي من الثقافة, يشكل في مجموعة وحدة, تؤدي هذا الاثر وتترك بصاماتها واضحة على العقل البشري. كما عبر أوفستد عن هذا التأثيربقوله:" إن الثقافة, تؤثر على ممارستنا اليومية, طريقة حياتنا, كيف ننمو, كيف ندير, كيف نداربالاضافة الى النظريات التي نطورها لتفسير تصرفاتنا وممارستنا"
ترى ماهي أوجه الحضارة, التي لها تأثيرها على عقولنا, وتصرفاتنا بهذا الشكل الذي وصفه اوفستد. ان الدين, واللغة,العادات, التقاليد, الادب, الشعر, وكذا النظام السياسي, ومايحويه من تقاليد وممارسات تمثل كلها عناصر مهمة واساسية.
بعض الباحثين يصنف العالم الى جزئين, شرق وغرب, وذلك حسب الثقافات والحضارات, التي تسود كل جزء من هذين الجزأين.إلا ان هذا التقسيم, لا يقف عند هذا الحد, بل هم يقولون : ان ثقافة الغرب اوجدت عقلا تحليليا بينما الثقافة الشرقية أوجدت عقلا تركيبيا وفي هذا التصنيف امر خطير اذ انه يعيد التطور والنمو المادي والعلمي الذي يشهده العالم الى الحضارة الغربية المعاصرة, وكأن العلم وليد العصرالحاضر والامر خلاف ذلك فالعلم نتاج جهود تراكمية, أسهمت بها حضارات الشرق والغرب. كما أن هذا التقسيم ويتضمن مغالطة كبرى ولا سيما في التعميم بهذا بهذا الشكل شرق وغرب. فالشرق فيه حضارات متعددة وديانات مختلفة منها السماوي ومنها غير ذلك. كما ان الغرب وان كان في مجمله يعود الى الحضارة المسيحية الا انه يوجد تفاوت بين أقطاره, اسهمت في ايجاده اللغات المختلفة والاداب والعادات والتقاليد النوعية الخاصة بكل بلد. ويتمادى اصحاب هذا التصنيف الثنائي بقولهم : ان العلم قد يستفيد من العقل والتفكير التحليلي, بينما التفكير التركيبي قد يكون اثره بارزا في مجال الادارة والسياسيةو يستدلون على ذلك بالادارة اليابانية الناجحة, وكيف انها تعتبر نتاجا للتفكير التركيبي الذي يتمتع به اليابانيون.
فترى كيف تكون عناصر الثقافة المختلفة مؤثرة على بنية العقل؟
لو أخدنا الدين على سبيل المثال لوجدنا الاسلام يدعو الى وحدانية التفكير ويوجه العقل نحو شيء واحد هو الله الذي مصدر الخلق والرزق واهل العبادة ومامن شك في هذا التوجيه سيكون من نتاجه قطع اسباب التشتت والتذبذب الذهني, وكذا الصراع النفسي, الذي من الممكن ان يحياه الانسان اذا هو عاش في بيئته, يقوم دينها على تعدد الالهة وتنوعها. وقد عرض القران الكريم وضع امم كثيرة ومنها العرب قبل الاسلام, حيث كان تعدد الالهة لديهم يمثل وضعا سائدا وقائما في تلك الامم, مما انعكس أثره على تفكير وعقول تلك الامم. "قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين. قال هل يسمعونكم اذ تدعون أو ينفعونكم او يضرون قالوا بل وجدنا اباءنا كذلك يفعلون" سورة الشعراء
واذا كان هذا يبدو وكانه يمثل وضعا لامم قديمة فان الوقت الحاضر يزخر بامم تعددت فيها الالهة وتنوعت حتى ان بعض هذه الامم اتخذ من الحيوان كالبقر والفئران الهة له. وهذا بحد ذاته يشير الى ما يمكن ان يكون عليه أفراد مثل هده الديانات من دونية وصغار فاذا كان هذا هو حال الاله الذي يتعبدونه ويجلونه فمن باب اولى سيكون المتعبد في مرتبة أقل, من مرتبة معبودة فكيف سيكون عليه الحال, اذا كان المتعبد حيوانا؟
ان اثر الدين كأحد المعطيات الحضارية لا يقتصرعلى وحدة التفكير واتجاهه بل يتعدى الى نوع المصطلحات, التي يفرضها على الناس ودلالات تلك المصطلحات, ففي البيئة الاسلامية التي يفترض ان يكون لمصطلحات من متل الخلافة, البيعة,الجهاد,البركة, الصدقة , التوكل, المستضعفين....وغيرها كبير أتر,في تركيبة وتكوين عقلية الأفراد سواء في المجال السياسي أو في مجال العلاقات بين الافراد مع بعضهم بعضا.
ومن هنا نجد ان الاسلام اراد ان يوجد عقلا جديدا في منظومته المعرفية وفي اسلوب وطريقة تفكيره ومن ثم في عطائه وابداعه. عقل يتفاعل ويستلهم, يتلقى الثقافة ة و الحضارة, ويفهمها ويستوعبها ومن ثم يحرك فيها ويبدع وينجز وعليه لن يكون هناك مجال للجمود والخمول وهذا هو بالفعل ما حدث في عقل الانسان العربي, حين تمكن في بداية الامر من الاستضاءة باشراقات المعرفة الاسلامية.